السيد حسن القبانچي

79

شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع )

يزود تحته بغدة تفرز اللعاب فوق ما تفرزه الغدد اللعابية الأخرى ، ولولا ذلك ما استطاع اللسان أن يتذوق الطعوم ، وما كان يحدث له سوى الإحساس بمس الطعام ، كما تعرف ذلك من نفسك إذا كان لسانك جافا من الزكام مثلا ، فإنه لا يتذوق الطعوم ولو كانت مذابة . ومن أجل أن الطعوم مختلفة المذاق ولها في تلاقيها تآلف وتنافر على نسب معينة ، كتآلف الألوان والأصوات وتنافرها ، فقد شاءت المصادفة أن تختلف الحليمات الذوّاقة بعضها عن بعض ، شيئا قليلا في تذوقها وفي قدرتها على الاحتفاظ بطعم بعض المواد حتى بعد زوالها ، وعلى هذا يقوم الطهاة المهرة في خلط الأطعمة ومزجها . ومن أجل أن اللسان مفتقر بحكم مركزه ووظائفه إلى أن يكون حساسا قوي الإحساس ليلوك اللقمة ويدور بها من حنك إلى حنك ، ومن سن إلى ضرس ، ويستقصي أصغر أجزائها في مطاوي الفم وثنايا الأضراس ، ويتقي بإحساسه المرهف كل ما يدخل الفم من المؤذيات من كاو ومحرق ولاذع وشائك وجارح ، شاءت المصادفة أن تكون له حليمات للحس واللمس خاصة ، كما سبق القول ، وأن تكون هذه الحليمات ( الخيطية ) مرهفة جدا في رأس اللسان وجانبيه لا يساويها في دقة الإحساس إلا طرف البنصر . ومن أجل أن اللسان آلة للمضغ والبلع فقد شاءت المصادفة أن تكون هذه العضيلة قوية ، نشيطة ، لعوبا ، تلعابة ، لعابية مخاطية ، ولولا ذلك ما تم مضغ ولا بلع . فاللسان هو الذي يلاعب اللقمة ويلوكها ويعجنها عجنا باللعاب ، حتى إذا اكتمل مضغها وأصبحت صالحة للبلع لفها بمخاطه ، وضغطها بين سطحه وسقف الحلق ، ودفعها بقوته وزلقها حتى تعبر قوس ( اللهاة ) فيكون البلع بعد ذلك بغير إرادة الآكل . ومن أجل أن اللسان آلة للهضم فقد شاءت المصادفة أن يكون هضم الأطعمة مختلفا مكانه باختلاف عناصرها : فمنها ما يهضم في المعدة ، ومنها ما يهضم في الأمعاء ، ولكن شيئا واحدا منها وهو النشاء ، لا يهضم في المعدة ، بل إن عصارات المعدة تعيق هضمه وتبطل تحويله ، ولذلك شاءت المصادفة أن يكون الوسط الوحيد الصالح لتحويل النشائيات إلى سكّر وهضمها هو اللعاب ولولا هذا اللسان التلعاب الذي يمزج اللعاب باللقمة ويعجنها ، لما تم هضم النشاء ، وهو من أهمّ عناصر الغذاء . ومن أجل أن اللسان آلة للتكلم ، ومن أجل أن الأصوات تخرج من الحنجرة كما